في كل مرة يُطرح فيها اتفاق يتعلق بلبنان، تتجه الأنظار سريعاً إلى بنوده، بينما يبقى السؤال الأكثر أهمية: ماذا سيحدث عندما تبدأ مرحلة التنفيذ؟ من هذا المنطلق، يصعب التعامل مع الاتفاق الإطاري الأخير الذي تم توقيعه في واشنطن بين لبنان وإسرائيل، باعتباره مجرد وثيقة لتنظيم العلاقة الأمنية على الحدود الجنوبية، كما يصعب أيضاً اعتباره مشروعاً جاهزاً لإعادة تشكيل النظام السياسي اللبناني.
السؤال الأول الذي يفرض نفسه هو: ماذا تريد الولايات المتحدة فعلاً؟
الفرضية الأكثر تداولاً تقول إن واشنطن تسعى إلى إنهاء أي تهديد عسكري لإسرائيل مصدره جنوب لبنان، وبالتالي فإن هدفها النهائي هو إنهاء المعادلة الأمنية التي نشأت بعد عام 2006. لذلك، زومع الاخذ بالاعتبار عدم حماس واشنطن لخسارة جنود لها على أراض لبنانية، ومعرفتها المسبقة بأن الفوضى الشاملة في لبنان ليست في مصلحتها، فإنها لا تبحث عن تغيير سريع، بل عن مسار طويل يعيد رسم التوازنات تدريجياً. لكن هذه المقاربة تقوم على افتراض بالغ الحساسية، وهو أن الأطراف المحلية ستتصرف وفق الحسابات التي وضعتها واشنطن، بينما تشير تجارب المنطقة إلى أن هذه الحسابات كثيراً ما تصطدم بوقائع ميدانية مختلفة.
السؤال الثاني: لماذا جاء خطاب حزب الله مرتفع السقف إلى هذا الحد؟
للوهلة الأولى بدا وكأن الحزب يتأهب لمواجهة مفتوحة، لكن هذا الاستنتاج لا يبدو الأكثر ترجيحاً. فالخبرة السياسية للحزب خلال العقود الماضية تشير إلى أنه يستخدم التصعيد الكلامي أحياناً لرفع كلفة الخيارات المطروحة، وليس بالضرورة تمهيداً لمواجهة عسكرية مباشرة. والأرجح، انه يحاول تثبيت معادلة سياسية تقوم على أن أي بحث في تنفيذ الاتفاق يجب ألا تفضي إلى إعادة صياغة ميزان القوى الداخلي.
أما تحذير رئيس مجلس النواب نبيه بري من "الفتنة"، فهو يحمل دلالة مختلفة، مفادها أن أي محاولة لفرض وقائع داخلية بالقوة ستنقل الأزمة من إطارها السياسي إلى مستوى يصعب التحكم بمساره.
السؤال الثالث: هل يقف لبنان على أبواب حرب داخلية؟
وفق المعطيات الحالية، ليس بالضرورة. فالحرب الداخليّة تحتاج إلى شروط تتجاوز مجرد الانقسام السياسي، وهي تتطلب وجود قرار داخلي وإقليمي ودولي بالسير نحو هذا الخيار، وهو ما لا تظهر مؤشراته حتى الآن. اما الاستقرار الأمني فموضوع آخر. السيناريو الأكثر تداولاً يمكن أن يدخل لبنان في مرحلة طويلة من الاستنزاف السياسي والأمني، تتجسد في احتكاكات موضعية، وشلل مؤسساتي، وتعطيل متبادل، وتصاعد الخطاب الطائفي، وتراجع الثقة بالاقتصاد، من دون أن يصل الأمر إلى انهيار شامل، وهذا ما اعتاد لبنان عليه في السنوات الأخيرة. فالقاسم المشترك للجميع في الداخل والخارج (ما عدا إسرائيل)، هو الاستقرار، انما الزاوية التي ينظر فيها كل طرف الى هذا العامل، تختلف. فالولايات المتحدة ترى الاستقرار عبر تقليص المخاطر الأمنية على إسرائيل، والاخيرة تنظر إليه باعتباره منع إعادة بناء التهديد على حدودها الشمالية. أما حزب الله، فيربطه بالحفاظ على معادلة الردع التي تشكلت خلال السنوات الماضية. في حين ترى الدولة اللبنانية أن الاستقرار الحقيقي لا يكتمل إلا باستعادة سيادتها الكاملة مع تجنب أي انفجار داخلي.
هذا التباين لا يجعل الصدام حتمياً، لكنه يجعل إدارة المرحلة المقبلة أكثر تعقيداً، خصوصاً لجهة الانتقال من النص إلى التطبيق. فالتجارب اللبنانية السابقة، من اتفاق القاهرة إلى الطائف، مروراً بالتفاهمات الأمنية المختلفة، تؤكد أن المشكلة لم تكن غالباً في المبادئ العامة، بل في تفسيرها، وترتيب أولوياتها، وتحديد الجهة التي تملك حق فرضها.















































